محمد سعيد رمضان البوطي

54

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ومعلوم أن المبشرين ومعظم المستشرقين ، هم الخصوم المحترفون للإسلام ، يتخذون القدح في هذا الدين صناعة يتفرغون لها ويتكسبون منها كما هو معلوم . أما الأغرار الذين يسيرون من ورائهم ، فأكثرهم يخاصمون الإسلام على السماع والتقليد ، ولا يعنيهم أن يفتحوا أذهانهم لبحث ولا فهم ، إنما هو هواية التقليد والاتباع ، فخصامهم للإسلام ليس إلا من نوع الشارة التي قد يعلقها الرجل على صدره لمجرد أن يعرف بها بين الناس انتماؤه لجهة معينة ، ومعلوم أن الشارة ليست أكثر من رمز ، فخصومة هؤلاء للإسلام ليست سوى الرمز الذي يعلنون به عن هويتهم بين الناس : أنهم ليسوا من هذا التاريخ الإسلامي في شيء ، وأن ولاءهم إنما هو لهذا الفكر الاستعماري الذي يتمثل فيما يدعو إليه دعاة الاستعمار الفكري من مبشرين ومستشرقين . فهذا هو اختيارهم ، من قبل أي بحث ودون محاولة أي فهم ! . . أجل ، فإن مخاصمتهم للإسلام ليست إلا مجرد شارة يسمون بها أنفسهم بين قومهم وبني جلدتهم ، وليس عملا فكريا لقصد البحث أو الحجاج . وإلّا ، فموضوع زواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم من أهون ما يمكن أن يستدل منه المسلم المتبصر ، العارف بدينه والمطلع على سيرة نبيه ، على عكس ما يروجه خصوم هذا الدين تماما . يريدون أن يلصقوا به صلّى اللّه عليه وسلم صورة الرجل الشهواني الغارق في لذات الجسد ! . . وموضوع زواجه عليه الصلاة والسلام هو وحده الدليل الكافي على عكس ذلك تماما . فالرجل الشهوان ، لا يعيش إلى الخامسة والعشرين من العمر في بيئة مثل بيئة العرب في جاهليتها ، عفيف النفس ، دون أن ينساق في شيء من التيارات الفاسدة التي تموج من حوله . والرجل الشهوان ، لا يقبل بعد ذلك أن يتزوج من أيم لها ما يقارب ضعف عمره ، ثم يعيش معها دون أن تمتد عينه إلى شيء مما حوله وإن من حوله الكثير وله إلى ذلك أكثر من سبيل ، إلى أن يتجاوز مرحلة الشباب ، ثم الكهولة ، ويدخل في مدارج الشيخوخة . أما زواجه بعد ذلك من عائشة ثم من غيرها ، فإن لكل منهن قصة ، ولكل زواج حكمة وسبب يزيدان من إيمان المسلم بعظمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ورفعة شأنه وكمال أخلاقه . وأيا كانت الحكمة والسبب فإنه لا يمكن أن يكون مجرد قضاء الوطر واستجابة للرغبة الجنسية ، إذ لو كان كذلك لكان أحرى به أن يستجيب للوطر والرغبة النفسية في الوقت الطبيعي لهذه الرغبة وندائها . . خصوصا وقد كان إذ ذاك خالي الفكر ليس له من هموم الدعوة ومشاغلها ما يصرفه عن حاجاته الفطرية والطبيعية . ولسنا نرى الإطناب في الدفاع عن زواجه عليه الصلاة والسلام ، على نحو ما يفعل كثير من الباحثين ، إذ لا نعتقد أن ثمة مشكلة تحتاج إلى النظر أو البحث ، وإن أوهم خصوم الإسلام ذلك . ورب حق من حقائق الإسلام ، لا يطمع خصومه لإبطاله ، بأكثر من استجرار المسلمين إلى مناقشة دفاعية في شأنه .